محمد ابو زهره
39
خاتم النبيين ( ص )
وكيف يوفق بين كون مدين ببلاد العرب على أطراف الشام ، وكون موسى كلف الرسالة بجانب الطور . يجيب عن ذلك السؤال أبو الفداء في قصص الأنبياء : « وسار بأهله » أي من عند صهره ذاهبا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف ، فلما سار بأهله ، ومعهم ولدان وغنم قد استفادها مدة إقامته بمدين ، ومهما يكن من الأمر ، فإن الله اصطفى موسى كليما له ورسولا إلى فرعون ، وشعيب استنقذه من أرض مصر ، مدة عشر سنين ، بعد فيها عن جو فرعون المعتم ، ليلقى أمر ربه بتبليغ رسالته إلى فرعون الذي طغى أن راه استغنى . أرض العرب مأوى الفارين بدينهم : 36 - كانت أرض العرب مأوى لأصحاب الديانات الذين فروا من الضطهاد ، فاتخذوها مستقرا ومقاما ، فهي أرض النبيين أصحاب الرسالات العامة ، وهي أيضا مأوى الديانات التي نبتت في غير أرض العرب عندما اضطهدوا في ديارهم ، ونزل بهم البلاء من التتار الذين جاسوا خلال ديار بني إسرائيل ومزقوهم كل ممزق ، وهم أولو البأس الذين بعثهم الله تعالى ، ثم من بعد ذلك الرومان الذين ضربوا عليهم الذلة والمسكنة ، وكانوا لا يعترفون لهم بحقوق الرومان ، ولم يدخلوهم في الجنسية الرومانية مع أنهم في حكمهم وتحت سلطانهم ، ورعاياهم ، ولكنهم الرعايا الأدنون ، وهم من فوقهم ، ولذلك لم يجد كثيرون منهم مأوى يأوون إليه إلا البلاد العربية التي كانت حصن الذين يفرون بدينهم ، ولا يجدون ملجأ إلا أرض النبيين الأولين التي لم يتغلب عليها . وقد وجدوا الملاذ ابتداء في أرض اليمن فاستظلوا بظل قوم تبع ، ومع أنهم كانوا وثنيين وجدوا في حكمهم ظلا ظليلا ، استظلوا به ، وأخذوا حريتهم فيه ، وقد اعتنق اليهودية بعض اليمنيين ، ولكن اليهود لا يعتبرون اليهودية دينا فيه إصلاح البشر وصلاحه ، ولكنهم يعتبرونه جنسية ، ويقولون مقالهم المزعوم الفاسد ، نحن أبناء الله وأحباؤه ، ولذلك لم يضموا اليمنيين الذين دخلوا في اليهودية إليهم ، ولم يضعوهم في جماعتهم ، ويسمونهم السامرة ، ولقد عاشروا الأوس والخزرج في موطنهم الأصلي باليمن . ولما هاجر أولئك الوثنيون إلى يثرب حيث الجناب الخصيب ، وحيث المنجع المريع ، هاجر اليهود أيضا ، إلى ما حول يثرب فهاجر بنو النضير وبنو قريظة ، وبنو قينقاع ، وخيبر . ولم يندمجوا في الشعب العربي ، بل اتخذوا حصونا تحتويهم حيثما أقاموا ، وانتجعوا الخصيب من الأرض ، فكان لهم النخيل والتمر في يثرب ، امتلكه الذين أقاموا فيها من بنى قينقاع والنضير ، وقريظة . وامتلك أهل خيبر مثلها . وكانوا كشأنهم أثرين يحبون أنفسهم . ولا يتعاونون مع أهل البلاد ، فكانوا لا يتعاملون مع العرب ، وإن تعاملوا معهم بخسوهم وخانوهم عهودهم ، كما قال تعالي : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ